وصلت اليوم أخبار هامة من الطرف الآخر من العالم . فمنذ قصة الاختفاء المتعاقب للسائقين الفلبيني الجنسية قبل فترة وأنا أعيش بين الترقب والخوف والمعاناة من بدلاء لم أجد فيهم ضالتي المنشودة بعد . جديد اليوم أن ذلك السائق الذي تعاطفت معه انطلاقا من كونه الأقدم والأجود في الخدمة ، واستنادا إلى أنه أتم عشرة سنوات كاملة قبل هذا الاختفاء المريب ، اتضح أنه حي يرزق ويعيش مع صديقة له من بني جلدته في مدينة الرياض ، بعد أن ضحى بكل شيء في سبيل هذا الحب الغامر الذي يعيشه مع تلك الصديقة ، بما في ذلك أهله وأبناؤه في بلده الأم ، ومصدر رزقه الشرعي وفرصة العمل الآمن . ولأن تلك القصة كانت قد أثارت كثيرا من التعاطف والترقب من عدد من الإخوة قراء هذه المدونة فقد رأيت أن أنقل لهم هذه المستجدات لكي ينالهم شيء من الراحة التي نالتني . أغضبني من هذه القصة تلك الليالي التي أصابني فيها الأرق وأنا أتخيل ذلك المسكين جثة هامدة ملقاة في الصحراء ، فيما هو ملقى على سرير العشق المحرم هو وشريكته التي لابد أن تكون هي الأخرى هاربة من كفلائها . ومنذ أن بدأت أحداث هذه القصة وأكملها سفر الخادمة في إجازة نأمل أن تعود منها كما وعدت ، فقد عشت وشهدت ذلك الواقع الصادم من أعداد مهولة من السائقين والخادمات الهاربين من كفلائهم ويعملون سارحين دون رقيب يتنقلون من بيت إلى بيت ، وتلك الشبكات المنظمة من وسطاء ومدراء أعمال وسائقي الليموزين الذين يتولون نقلهم مقابل رسوم محددة ، وتلك الأرقام الفلكية التي وصلت إليها رواتبهم ، حتى أن راتب الخادمة وصل إلى ألفي ريال في الشهر ، والسائق إلى ثلاثة آلاف ، وهو ذات الرقم الذي يمثل الحد الأدنى لأجور السعوديين في ديوان الخدمة المدنية . لا أدري لماذا هذا الصمت المطبق عن هذا الواقع المرعب ، وهل صحيح أن هناك بعض المتنفذين الذي يوفرون لهؤلاء الحماية والرعاية مقابل إتاوات يجبونها منهم . السؤال الأهم ، أين وزارتا العمل والداخلية من هذا الوضع ، ولماذا لا يتم تفعيل وسائل الرقابة والتتبع التي تستخدم لملاحقة من ينتمون إلى خلايا الإرهاب ، أم أن حماية المواطنين من هذا الواقع الأليم أقل شأنا من أن يعيره أحد أي انتباه .
تجربة الكتابة الأسبوعية في الصحافة هي تجربة ثرية من ناحية ، ولكنها من ناحية أخرى تشكل معاناة للكاتب ، من جهة أنها تخلق لديه حسا لالتقاط الأحداث والأخبار لتشكل قائمة طويلة من العناوين والموضوعات ، وهو ما يجعل الكتابة الأسبوعية وسيلة غير كافية لتفريغ مخزون الذاكرة من الموضوعات والعناوين . هذه المدونة ستكون الملجأ الذي أسطر فيه أطروحات يومية من ذلك المخزون ، علها تكون وسيلة لتسجيل خواطري حول الوطن والتنمية والناس .
التجميل
الخميس، 7 يوليو 2011
الأربعاء، 6 يوليو 2011
اليوم 162
تلقينا قبل أسبوع تقريبا دعوة من إحدى الجهات الحكومية للمشاركة في منافسة لتصميم أحد مشروعاتها ، وهي جهة مرموقة كنا نتطلع دوما للعمل معها . بعد دراسة وثيقة المنافسة قدمنا بعض الاستفسارات ، ثم أرسلنا مندوبا للحصول على بعض المخططات والوثائق حول المشروع . المندوب قابل أحد الموظفين في إدارة المشتريات بتلك الجهة ، وقال له فيما قال أن مكتبنا قدم عددا من العروض في السابق لتلك الجهة ولم يحظ بالفوز بأي من تلك المنافسات ، وطلب الاتصال بي للحديث حول هذا الموضوع ، فما كان من المندوب إلا أن أعطاه رقم هاتفي الجوال لفتح باب التواصل المباشر . واليوم اتصل بي ذلك الشخص ، وقدم عرضا لمساعدتنا في الفوز بتلك المنافسة مقابل الحصول على عمولة محددة القيمة . فاجأني هذا الطلب ، ليس لأني لا أعلم أن مثل هذا الفساد مستشر في الجهات الحكومية ، ولكن لأنه أتى بهذا الكم من الصراحة والصفاقة . وفي الحقيقة ، فإن العرض كان مغريا من ناحية أن يمثل فرصة للفوز بعقد مجز مع تلك الجهة يمكن أن يضيف رصيدا هائلا لخبرتنا المهنية ، ولكن الثمن الذي سندفعه سيكون فادحا بالطبع ، ليس من جهة قيمته المادية ، ولكن من جهة تعارضه مع مباديء أخلاقيات العمل المهني . والمشكلة أن التجاوب مع هذا العرض لا يحمل أي ضمانة تجاه الوقوع في لعبة مزدوجة ، فهذا الشخص يمكن أن يكون ببساطة لاعبا على أكثر من حبل ، ويسعى لكشف أسعار المتنافسين لمصلحة متنافس محدد يلعب لصالحه . هذا النمط من الفساد أصبح مستشريا بشكل مزعج ، بل إن مقدار الرقابة والتشديد الذي فرضه مناخ مكافحة الفساد رفع من تكلفة مثل هذه الممارسات ، وأصبحت مثل هذه المنافسات سوقا سوداء يوظف فيها مثل هذا المسئول صلاحياتهم وإمكاناتهم للحصول على مكاسب غير شرعية . السؤال الذي يطرح نفسه بشكل ملح ، هل أصبح هذا هو السبيل الوحيد للفوز بفرص العمل مع القطاع الحكومي ، أم أنه لا زال هناك مجال للعمل دون الانزلاق في هذه المسالك غير الشريفة . المشكلة أن إدارة المباحث الجنائية لا تتعامل مع أية بلاغات من هذا الصنف دون دليل أو إثبات ، وهو ما عشته قبل حوالي السنتين مع أحد المسئولين في جهة حكومية أخرى . قلت لهم حينها من أين لي أن أقدم الدليل الذي يريدونه ، وهل يتوقعون أن يكون مثل هذا الشخص بتلك السذاجة التي توقعهم في مطب تسجيل هذا الدليل . على أي حال ، سنقدم عرضنا في هذه المنافسة بعيدا عن هذا المسلك ، مع أني أعلم مسبقا أنه لن تكون لنا فرصة فيه طالما وجد مثل هذا الشخص في أجهزتنا الحكومية .
الثلاثاء، 5 يوليو 2011
اليوم 161
إمارتا دبي والشارقة تعانيان من أزمة وقود خانقة ، ومنظر السيارات المتراصة في محطات الوقود القليلة العاملة يثير الانتباه إلى حجم المشكلة ، علاوة على العدد الكبير من المحطات غير العاملة . والغريب أن الإعلام المحلي لم يشر إلى هذه المشكلة من قريب أو بعيد في اتجاه غريب من غياب الشفافية والوضوح حول مسببات هذه المشكلة . والواضح أن مقدار المنافسة بين إمارتي أبو ظبي ودبي قد بلغ أوجه خاصة بعد الأزمة المالية العالمية التي أضعفت موقف دبي أمام شقيقتها الكبرى ، حتى أن تلك استغلت هذا الوضع لاقتناص فرص الاستحواذ على مقتنيات دبي المميزة ، بما في ذلك التغير الذي أصاب اسم برجها الشهير الأعلى في العالم ليصبح برج خليفة بدلا من برج دبي . ولأن إمارة أبو ظبي وتوابعها من الإمارات الصغار الأخرى لا تعاني من أزمة الوقود هذه نظرا لتمتعها برصيد ومخزون نفطي ضخم ، ولأن إمارتي دبي والشارقة لا تملكان مثل تلك القدرة النفطية ، فإن هذا المورد يبدو أنه اصبح مجالا جديد للمنافسة ، وورقة ضغط أخرى تستخدمها الإمارة الأم لتعيد الإمارتين المارقتين إلى طوعها . ولأن إمارة دبي لا زالت تملك نفسا أطول في هذه المنافسة مقارنة بإمارة الشارقة ، فإن معالم أزمة الوقود فيها تبدو أقل استشراء منها في الأخرى ، فالوضع في الشارقة أسوأ بكثير ، وأهل الشارقة يذهبون إلى جارتهم عجمان لملء خزانات سياراتهم بالوقود . هذا الوضع أصبح ضاغطا على الجميع ، المواطنون والمقيمون في الإمارتين ، وذلك الحشد الكبير من السياح الذي ملء أرجاءهما . أذكر أيضا أن أسعار الوقود في الإمارات هي الأغلى بين كل دول الخليج ، في الوقت الذي نتمتع في المملكة بالأسعار الأرخص للوقود ربما على مستوى العالم ، ومع ذلك فنحن نستهلكه استهلاكا جائرا مثله في ذلك مثل كثير من الموارد الحيوية . ربما تكون أزمة الوقود في دبي والشارقة فرصة سانحة لوزارة البترول السعودية لرفع أسعار الوقود في المملكة إن وجهت لها شيئا من الزخم الإعلامي ، ومع ذلك فإن ذلك إن حصل سيكون سببا لغضبة شعبية عارمة ، خاصة أنها تأتي بعد تلك المكرمات الملكية التي صبت كثيرا من أموال الدولة في جيوب فئات من المواطنين . رفع أسعار الوقود ليس هدفا في حد ذاته ، ولكنه بالتأكيد إحدى أهم الوسائل التي يمكن بها السيطرة على ذلك النمط الجائر في استهلاك الوقود في المملكة . والأكيد أن أي تعديل في أسعار الوقود لابد أن يأخذ في اعتباره تباين قدرات الناس طبقيا واجتماعيا وجغرافيا ، فهناك الكثيرون ممن يطيقون دفع اسعار مضاعفة للوقود ، ومع ذلك فهم أكثر من يتسكع في الشوارع دون طائل ودون جدوى .
الاثنين، 4 يوليو 2011
اليوم 160
عشت اليوم أولى تجاربي مع دائرة حكومية في بلد آخر غير بلدي ، إذ مررت بتجربة التقدم بطلب إصدار رخصة قيادة لزوجتي العزيزة من إدارة مرور الشارقة . ولمن لا يعرف الفوارق بين الإمارات السبع ، فإن إمارة الشارقة هي أكثرها التزاما بنمط معيشي محافظ وملتزم بالمباديء الشرعية . ففي هذه الإمارة لا تقدم الخمور في أي من مطاعمها أو فنادقها ، وحتى الشيشة تعد من المحرمات ، ولا ترى امرأة تسير في أي مكان بمظهر خليع مبتذل ، علاوة على أنها تضم نسبة كبيرة من المواطنين بما يجعلها تحمل شيئا من الهوية المحلية على عكس جارتها دبي . مقر دائرة المرور مقر بسيط في مبناه ، ومع ذلك فإنه يعطي انطباعا جيدا من ناحية التنظيم والنظافة ووضوح الإجراءات ، والأهم من ذلك تلك البشاشة وذلك اللطف الذي يتعامل به الموظفون في هذه الدائرة مع الناس بمختلف صنوفهم ومشاربهم وجنسياتهم دون عنصرية أو تمييز . المقر كان مقسما بشكل واضح إلى إدارات منظمة يختص كل منها بفرع من فروع اختصاص الدائرة ، كما يضم قسما منفصلا يختص بتقديم خدمات الدائرة للسيدات فقط . أنهينا إجراءات طلب الرخصة بشكل سلس خلال نصف ساعة فقط ، وانتقلنا بعدها إلى مدرسة تعليم القيادة للتسجيل في برنامج تعليم واختبار القيادة . تجربة اليوم أنهت في قناعتي أي تجاذب حول إمكانية قيادة المرأة للسيارة في المملكة ، إذ أن إمارة الشارقة تمثل نموذجا يكاد أن يكون مطابقا لنمط الحياة في المملكة . بل إن بعض مدن المملكة تعرف أشكالا من الانفتاح والاختلاط لا تراها في الشارقة . الفارق في رأيي أن الممارسات الدينية في الشارقة تنبع من قناعات الناس وتنعكس على تصرفاتهم وعلاقاتهم مع بعضهم البعض دون تشكيك أو ريبة ، أما في المملكة ، فإن كثيرا من الأمور يتم فرضها وتحديدها على الناس باسم الدين وكثير منها ليس له اية علاقة به من قريب أو بعيد ، علاوة على أن تلك الممارسات تتم لإرضاء الآخرين وليس انطلاقا من قناعات شخصية . وعودا على الموضوع الرئيس ، فإذا كانت المرأة تقود السيارة وتنجز كل ما يتعلق بذلك من إجراءات في مدينة مثل الشارقة بذلك اليسر والسلاسة فإنها ستفعل ذلك دون عناء في المملكة ، أو على الأقل في بعض مدنها على سبيل التدرج . ومن جهة أخرى ، فإن هذه الروح التي رأيتها في هذه الدائرة الحكومية الإماراتية هذا اليوم ينبغي أن تشكل حدا أدنى لما يجب أن تكون عليه الدوائر الحكومية في المملكة ، فهل لوزارة الداخلية من سبيل إلى الاقتداء بمثل هذه الدائرة . أرجو أن يأتي تعيين مساعد وزير الداخلية الجديد ليكون سندا لوالده في تطوير واقع الخدمات في وزارة الداخلية ، علها تكون نموذجا لبقية الوزارات ، خاصة تلك التي يقوم الجيل الثاني فيها بخلافة الجيل الأول بما يحقق استمرارية الفكر والتطبيق .
الأحد، 3 يوليو 2011
اليوم 159
في السنوات القليلة الماضية تكالبت على المملكة الشركات العالمية بحثا عن لقمة العيش بعد انهيار عروشها في الدول المجاورة . وتزامن ذلك مع تزايد الطلب على خدمات تلك الشركات ، وارتفاع سقف القناعة بقدرات الأجنبي في مقابل المواطن المسكين . وعلى مدى السنتين الماضيتين على وجه الخصوص ، نكاد لا نتلقى دعوة لمنافسة في إحدى الجهات الحكومية إلا وهي تشترط التضامن مع مكتب استشاري عالمي . وفي بعض الأحيان فإن هذه الدعوات توجه للمكاتب العالمية مباشرة ، لتقوم بدورها بالبحث عن مكتب محلي ترمي له بشيء من فتات ذلك المشروع مقابل توفير التغطية القانونية لعملها في المملكة . وأنا في العادة لا أحب العلاقات المتعددة ، وأفضل التركيز في علاقة واحدة ، وتسري تلك القناعة لدي على موضوع الزواج كذلك ، فأنا ممن يعارضون التعدد بلا داع حقيقي . ومن هذا المنطلق ، فقد سعيت إلى تأسيس علاقة تضامن أو شراكة مع شريك أجنبي واحد يملك من القدرات والخبرات ما يؤهله للقبول لدى أصحاب المشاريع في المملكة ، وخضت كثيرا من المفاوضات والمحاولات مع ععد من الشركات العالمية . ولكنني كنت دوما أصدم بالتوجه الذي تتبناه تلك الشركات ، والذي يتسم بعدم الجدية وطغيان الجشع وعدم الرغبة في تحمل أي قدر من المخاطر لدخول السوق السعودي الذي يقرون بأنه أكثر السواق جذبا في الوقت الراهن . إحدى تلك الشركات أمريكية الجنسية ، وتملك مكتبا إقليميا لها في دبي ، وقاد هذا المكتب مفاوضات الشركة معنا للدخول في شراكة مستديمة في السوق السعودي ، وقمنا بناء على ذلك بتقديم تلك الشركة لعدد من عملائنا على أنهم شريكنا المتضامن . واليوم ، فوجئت بأن هذه الشركة حصلت على عقد من الهيئة الملكية للجبيل وينبع بالتضامن مع مكتب سعودي آخر ، في نقض صريح لمضمون المفاوضات الجارية معهم منذ فترة . هذه ليست الشركة العالمية الأولى التي نقدمها لبعض العملاء لنجد فيما بعد أنهم أسسو علاقات مباشرة معهم ومن خلال مكاتب سعودية أخرى . تذكرت تلك الشركة التي قدمنا معها عرضا لوزارة الشئون البلدية والقروية قبل عدة سنوات ، وأتى ذلك العرض في المركز الثاني في المنافسة . ثم علمت بعد فترة أن المشروع تمت ترسيته على المكتب الفائز بالمركز الأول ، ليقوم بالتضامن مع ذات الشركة العالمية التي كنا قد قدمنا عرضنا معها ، وبمباركة من الوزارة العتيدة . واليوم ، قررت أن أتوقف عن مثل هذه المحاولات ، وأن أمتنع عن تقديم أي شركة لأي من العملاء قبل أن نوقع اتفاقا صريحا واضع المعالم والمسئوليات . وإلى أن تنتهي عقدة الخواجة وتؤمن مؤسساتنا الحكومية بقدرات الشركات المحلية ، فإننا سنقنع من العمل بالقليل اليسير الذي لا يتطلب وجود مثل ذلك الشريك الأجنبي . ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
السبت، 2 يوليو 2011
اليوم 158
نظرا لأن ابنتي تخوض إجراءات إصدار رخصة القيادة في الإمارات ، ولأن حملة قيادة السيارات من قبل بعض النساء السعوديات في المملكة ووجهت بصمت مطبق من الجهات الأمنية التي آثرت السكوت عن الدخول معهن في مواجهة كانت أعين الإعلام العالمي تتربص بها ، فقد استحث هذا الوضع حماسة زوجتي العزيزة لإيقاظ رغباتها القديمة في تعلم قيادة السيارة ، وبادرت اليوم بإجراء اتصالاتها لمعرفة متطلبات الحصول على رخصة للقيادة في الإمارات المتحدة . ومع أني من المساندين لحق المرأة في القيادة ، إلا أنني أخشى طبعا من منحها فرصة القيادة في شوارع دبي قبل الحصول على الرخصة تفاديا للمساءلة القانونية ، واتباعا لمبدأ يا غريب كن أديب . دخلت مع زوجتي في جدل حول مبدأ إتاحة الفرصة ، وكيف أنها لن تتمكن من تعلم القيادة تمهيدا للحصول على الرخصة مالم تحصل على تلك الفرصة لقيادة السيارة وخوض غمار التجربة لتتعلم منها مهارات ومباديء القيادة . منطقها كان صحيحا بالطبع في هذه الحالة ، ولكنه ليس صحيحا على الدوام ، ففي بعض الأحيان تكون إتاحة الفرصة مخاطرة فادحة العواقب ، خاصة إذا كان ضررها يعود على أشخاص آخرين بخلاف الشخص الذي يمارس تلك الفرصة . تذكرت حينها ذلك المقال الذي قرأته قبل يومين في صحيفة الرياض حول إتاحة الفرصة لوزير العمل لتطبيق برنامج نطاقات الجديد ، ونقد الكاتب لأولئك الكتاب ، وأنا منهم ، الذي انبرو لنقد البرنامج قبل أن تتاح له الفرصة للتطبيق لتظهر نتائجه السلبية والإيجابية . ولأني أكن لهذا الكاتب على وجه الخصوص كثيرا من التقدير الشخصي فقد آثرت ألا أدخل معه في جدل حول هذا الطرح ، مع أني وددت أن أناقشه فيه ، من منطلق أن الحكم على الأمور يأتي بالدراسة والفهم دون الحاجة للدخول في تجارب عملية تتاح لها فرص التطبيق التي يمكن أن تعود بالكثير من الخسائر . وفي حالة برنامج نطاقات على وجه الخصوص ، فإن فشل التطبيق لن يعود بالضرر على معالي الوزير بشخصه فقط ، ولكنه سيوقع الكثير من الضرر على الاقتصاد الوطني ومؤسسات القطاع الخاص وخاصة الصغيرة منها ، وهي التي تعد العمود الفقري لأي اقتصاد وطني . ولو أن الأمور تؤخذ بمبدأ إتاحة الفرص دون دراسة وتمحيص لعمت الفوضى وشاع الفساد ، ولتكبدت خزينة الدولة واقتصادها خسائر هائلة نتيجة للتجارب العشوائية في مختلف المجالات . وأقول لهذا الكاتب العزيز ، أن الأمور لا تؤخذ بالنوايا ، ولا أظن أحدا من الكتاب يشكك في نوايا الوزير ولا في وطنيته ، ولكن الحرص على مقدرات الوطن هو ما يدفعني ويدفعهم لتقييم البرنامج ونقده . وإذا كان مبدأ إتاحة الفرصة مطلوبا في هذا المثال ، فإن إتاحة الفرصة للكتاب أيضا لإبداء رأيهم بموضوعية يكون له ذات الحق بذات المنطق .
الجمعة، 1 يوليو 2011
اليوم 157
كان من الواضح في الفترة الأخيرة أن إمارة أبو ظبي تسعى للحاق بركب شقيقتها الصغرى إمارة دبي في ركب التنمية ، وقد اختطت لنفسها في سبيل تحقيق قصب السبق خطا مغايرا تبنت من خلاله مبادرات لاستقطاب علامات عالمية مميزة لتوطينها في الإمارة ، ومنها على سبيل المثال فروع متحف اللوفر وجامعة السوربون وعالم فراري وعدد آخر من المشروعات . لم تعجبني أبدا هذه الطريقة في نسخ كيانات عالمية متميزة بنسخ محلية ، فاللوفر له مكانته التي لا يمكن تكرارها ، وكذلك السوربون الذي يحمل قيمته ببيئته وطاقمه الأكاديمي المميز وتاريخه الطويل . واليوم اصطحبت أسرتي لزيارة عالم فراري الذي ملأت إعلاناته أرجاء المنطقة ، لأتعرف عن قرب على هذا المشروع المميز . حجم الاستثمار في هذا المشروع كبير جدا ، وتم تنفيذه على مستوى عال من الهندسة والعمارة والتقنية المتقدمة . انطباعي عن المشروع أتى سلبيا بالعموم ، فهو لم يعد أن يكون نسخة مقلدة لمشاريع الحدائق الترفيهية العالمية مثل ديزني ويونيرفسال ستوديوز وغيرها . ومع أنه يقع في مدينة عربية حتى العظم ، إلا أنه حمل هوية غربية بالمطلق ، حتى أن كل العروض كانت تقدم باللغة الإنجليزية وبشكل ركيك من قبل طواقم العارضين من الجنسية الهندية . تساءلت حينها عن هذا الضعف الذي تعيشه ثقافتنا العربية ، وعجزنا حتى الآن عن مجاراة تلك المشروعات العالمية غربية الطابع ، وإنتاج مشروع ترفيهي عربي المضمون واللغة وطواقم العمل . الوجود المحلي في المشروع كان ضعيفا بالعموم ، وحتى زواره كان معظمهم من الأجانب . ومع ذلك ، فإن هذا المشروع يظل محاولة متقدمة لتقديم فرص جيدة للترفيه بعيدا عن النمط المتكرر المتواضع الذي نشهده في المملكة في المدن الترفيهية المستنسخة التي نراها في كل مكان ، ولا تقدم أي مضمون تثقيفي أو تعليمي . وحيث أن مثل تلك المشروعات يتم تطويرها من قبل شركات عائلية تعمل بفكر تقليدي نمطي كما هو الحال في كثير من مشروعات التنمية ، فإن إمكانات التجديد والتطوير تظل متواضعة ، ولا نجد في النهاية سوى نمطا مكررا من مدن الترفيه المبتذلة التي لا تقدم سوى اللعب وسيلة للترفيه . عاد إلى ذاكرتي ذلك المشروع الذي ظل يراوح مكانه منذ أكثر من عشرين عاما ، وهو مشروع مركز الرياض للعلوم ، الذي كنت مسئولا عنه عندما كنت أعمل في الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض . هذا المشروع وجد طريقه للتنفيذ أخيرا بعد كل تلك المدة من الانتظار ، وأرجو أن يرى النور قريبا حتى يكون نموذجا لما نتطلع إليه من الترفيه الراقي الذي يرتقي بعقول الشباب والأطفال .
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)