التجميل

الأربعاء، 31 أغسطس 2011

اليوم 218

اليوم هو ثاني أيام عيد الفطر المبارك ، وقد اختفت تماما أية مظاهر للعيد في الشوارع ، ويبدو أن العيد قد انتهى فعلا يوم أمس . لم أجد ما أفعله اليوم سوى الجلوس أمام شاشة التلفزيون أستعرض حال الدنيا بعد أن غبت عنه طيلة شهر رمضان المبارك . لا زالت مشاهد العنف والمظاهرات في سوريا تحتل مساحة رئيسية في نشرات الأخبار حتى في أيام العيد ، بل إنه يبدو أن العيد كان حافزا للتصعيد على الطرفين . بعض المشاهد التي رأيتها أثارت اشمئزازي بما احتوته من صور تعرض التعدي العنيف وغير الأخلاقي لرجال يرتدون زي الأمن على أناس عراة ممددين على الأرض . مثل هذه المشاهد تثير التعاطف مع المعارضين الثائرين ، ولكنها أيضا تثير التساؤلات حول مدى صحتها ودور الإعلام المحتمل في فبركتها . تذكرت حديثا دار وبيني وبين أحد الإخوة السوريين قبل عدة أيام عندما أكد لي أن الأوضاع هناك ليست كما يعرضها الإعلام الذي وصفه بالمتحيز ، وأن الوضع الآن يعد أكثر أمنا بعد أن اتسعت سيطرة رجال الأمن وتمكنو من القبض على الكثيرين من أولئك المجرمين الزعران كما وصفهم . حاولت يومها أن أكون موضوعيا في نقاشي معه ، فقلت له أن المشكلة تكمن في طريقة إدارة النظام لهذه الأزمة ، فهو لا زال يتجاهل الدور المؤثر للإعلام ، ولا زال حتى الآن يرفض دخول الإعلام الخارجي لغطية الأحداث على أرض الواقع ، ومع ذلك يطلب من الناس ألا يصدقو سوى الإعلام المحلي الذي يسيطر عليه . طريقة مخاطبة الجماهير بهذه الطريقة الاستعلائية لا يمكن أن تخلق أية مصداقية للنظام ، خاصة وأن الرئيس نفسه لم يتحدث حتى الآن إلى الناس بشكل مباشر ، ولم يظهر إلا مخاطبا مجلس شعبه الخاص ، أو مذيعين يعملون تحت إمرة نظامه في التلفزيون المحلي . وبدون هذه المصداقية فإن كل وعود الإصلاح التي يعلنها بين الفينة والفينة لن يصدقها أحد ، ولن تخمد هذه الثورة المتصاعدة في شوارع المدن السورية . في المساء اكتفيت من هذه الأخبار التي تتكرر يوما بعد يوم ، وذهبت أبحث عما يمكن أن نفعله أنا وأبنائي لننعش فرحة العيد في بيتنا على الأقل .

الثلاثاء، 30 أغسطس 2011

اليوم 217

سعيت منذ ليلة البارحة إلى كبت مشاعر الحزن التي أصابتني بعد ذلك الموقف الذي وقع من شخص رد على اتصالي به للتهنئة بالعيد بالصد والشتم ، إذ لم أرد أن أنقل ذلك التشويه الذي أصاب فرحة العيد في نفسي إلى أبنائي وأفراد أسرتي . أحد الإخوة قال لي كلمة كانت بردا وسلاما على نفسي ، حيث قال أنني قمت بالأمر الصواب بغض النظر عن رد الفعل الذي واجهته ، وأنني ربما سأكون محملا بتأنيب الضمير بقية حياتي لو لم أقم بهذه المبادرة ، أما الآن وبعد ما حصل فسأكون مرتاح الضمير واثقا من أنني فعلت كل ما يمكن فعله لتجاوز هذا الخلاف . في الصباح اصطحبت أبنائي لأداء صلاة العيد في أحد مساجد الرياض ، فاكتملت راحة نفسي حينها عندما رأيت فرحة الناس وبهجة الأطفال . في المسجد كان المشهد غريبا بعض الشيء بالنسبة لي ، خاصة بالمقارنة مع ذلك المشهد الذي اعتدت عليه في المسجد النبوي الشريف . لا شيء يجمع المصلين سوى المناسبة والقبلة التي استقبلوها ، فالكل يكبرون كل بمفرده ، بدلا من تلك التكبيرات الجماعية الجميلة التي تذاع في الحرم النبوي . الكل كانو يأتون ليأدو الصلاة وينسلو إلى بيوتهم ، بدلا من ذلك الجو من التآخي وتبادل التهاني وزيارة البقيع التي كنت أعيشها في الحرم النبوي . في انتظار الصلاة عشت رحلة من الذكريات في أجواء العيد أيام الطفولة ، بما فيها مشاهد صلاة العيد بمشاعرها الروحانية الخاصة ، والزيارات المتبادلة بين الأهل والجيران ، والألعاب والمراجيح التي كانت تنصب في الحواري والشوارع ، وموائد الإفطار التي كانت تمد بعد الصلاة بعد أن نتوقف في طريق العودة من الحرم لشراء خبز التميس الحار . قضينا الصلاة وعدنا إلى المنزل وتبادلنا التهاني فيما بيننا ، ثم أوى كل منا إلى فراشه وكأن العيد قد انقضى . مر اليوم ولم يطرق بابنا زائر ، ولم نزر أحدا في المقابل ، ويبدو أن رسائل الجوال قد أوفت بالمهمة وأراحتنا من عناء الزيارات . كل ما بقي من العيد هو اجتماع المصلين لأداء الصلاة وشيء من البهجة التي نراها على وجوه الأطفال بلبسهم الجديد عندما يتلقون المعايدات والهدايا ، فبهم يبقى العيد عيدا بعد أن اختفت مظاهره وراء أسوار المنازل والاستراحات .

الاثنين، 29 أغسطس 2011

اليوم 216

أعلن التلفزيون قبل قليل حلول عيد الفطر المبارك يوم غد الثلاثاء ختاما لشهر رمضان المبارك . وفي آخر يوم من أيام هذا الشهر اجتمع أفراد الأسرة من طرف زوجتي العزيزة لتناول آخر طعام إفطار فيه . أبهجتني هذه المشاعر الأسرية الجميلة التي رأيتها بين أفراد هذه الأسرة ، خاصة عندما أعلن حلول العيد فشاعت البهجة بيننا جميعا وتبادلو جميعا التهاني وسط جو من الفرح والحبور . تناولت هاتفي الجوال وبدأت بالاتصال بإخوتي وأقاربي وعدد من المعارف والأصدقاء لأبارك لهم حلول العيد السعيد . ولأن العيد مصدر للسعادة وسط كل منغصات الحياة الكثيرة ، فقد بادرت بالاتصال حتى بمن شابت علاقتي معهم شيء من الفتور نتيجة خلافات لم أرد أبدا لها هذا التصعيد . ولأن فرحة العيد يفترض بها أن تغسل النفوس وتزيل الأحقاد ، ولأن هذه المناسبة تعد فرصة لتجاوز مثل هذه الخلافات ، فإنني لم أتوقع أبدا أن أواجه بمثل هذا الموقف الذي أحرق فرحتي وخنق بهجتي في صدري . هذا الشخص الذي كنت وسأبقى أكن له دوما كل تقدير رد على اتصال التهنئة بسيل من الشتائم والسباب لم أكن أحسب له حسابا . أقفلت الهاتف وهربت إلى حديقة المنزل بعيدا عن أبنائي وأفراد أسرتي وانخرطت في نوبة هستيرية من البكاء المرير . لا أدري ما الجرم الذي ارتكبته حتى يعاملني بهذه المعاملة ، ولا أدري ما الذي يمكن أن أفعله أكثر من مبادرة حسنة في مثل هذه المناسبة التي يفترض بها أن تكون مناسبة سعيدة . كل ما أستطيع قوله حسبنا الله ونعم الوكيل ، فموقفه هذا لن أنساه له ما حييت ، مع أنه لا يمكن أن يجرح تقديري وحبي له ، إلا أنه قطع ذلك الخيط الرفيع الذي أردت أن أبقي عليه بيننا . لا أدري كيف يمكن أن يعيش إنسان بكل هذا الكم من الغل في صدره ، مع أني أقسم بالله أنني لم أفعل تجاهه شيئا يستحق كل هذا الغل وهذه المعاملة . على أية حال ، حسبي من الله أنني بادرت هذه المبادرة ، وأرجو أن يكتب الله لي بها الأجر والمثوبة . أما بقية أخواني وأصدقائي وخلاني فأقول لهم من صميم قلبي كل عام وأنتم بخير ، وأرجو أن لا يريكم في أعيادكم ما رأيت في عيدي هذا من حزن وقلة حيلة .

الأحد، 28 أغسطس 2011

اليوم 215

اختتمنا اليوم آخر أيام العمل قبل إجازة عيد الفطر المبارك ، ومع ذلك فإن بعض العملاء لا يعترفون بحق الناس في التمتع بمثل هذه الإجازات ، حتى أن الاتصالات استمرت تلاحقني طيلة اليوم وبعد ساعات العمل لمتابعة شئون أعمالهم ومشاريعهم . أكثر ما أدهشني اليوم اتصال وردني من أحد المهندسين في إحدى الجهات الحكومية ، إذ استغربت أن يكون مثله عاملا في الوقت الذي كانت قد بدأت إجازة الدولة الرسمية منذ نهاية الأسبوع الماضي ، ثم زال استغرابي عندما تذكرت أن خارج الدوام في إجازات الأعياد يتم احتسابه مضاعفا لمثل أولئك الموظفين . بعد الإفطار اضطررت للذهاب بوالد زوجتي إلى أحد المستشفيات الخاصة بعد أن بدت عليه بعض العوارض الصحية الطارئة . وبالطبع فإن خيار المستشفيات الخاصة يظل خيارا أفضل من المستشفيات الحكومية التي يمكن للمريض أن يقضي في الانتظار في غرفة الطواريء فيها ساعات طوالا قبل أن يحين دوره في الفحص . نتيجة التشخيص أفادت بأن مريضنا يعاني من عرض في القلب يتطلب تنويمه في المستشفى تحت الملاحظة ، وهو ما أربك أبناءه وبناته بين خيار تنويمه في ذلك المستشفى الخاص وتحمل تكاليف باهظة غير منظورة ، وبين نقله إلى مستشفى حكومي مع كل ما يستتبعه ذلك من معاناة ليس أقلها مشاركة عدد آخر من المرضى في غرفة واحدة . استقر القرار على إيقائه في المستشفى الخاص ، وأتممنا إجراءات الدخول إلى المستشفى ، وبدأ تنفيذ  الخطة العلاجية ، وكلنا أمل في أن يتم علاجه ويتمكن من الخروج من المستشفى قبل حلول العيد . المشهد الذي لفت نظري في هذا المستشفى الخاص هو الغياب المطلق لأي وجود سعودي في كادر الأطباء والممرضين ، اللهم إلا من بعض الإداريين والإداريات الذين كانو يعدون على أصابع اليد الواحدة . هذا المستشفى الذي يعد أحد أفضل مستشفيات العاصمة كنت أتوقع أن يكون مكانا لتأهيل وتوظيف طواقم طبية من السعوديين ، ولست أدري أين يقع في نطاقات وزارة العمل بما رأيته اليوم من واقع غلب فيه الوجود الأجنبي بشكل صارخ . بعد أن اطمأن الجميع على بدء تنفيذ البرنامج العلاجي عدت إلى المنزل لكتابة هذه السطور ، ورأيت أن أسجل هذا الحدث فيها راجيا أن يتجاوب قراءها معي بالدعاء لمريضنا بالشفاء العاجل لتكتمل فرحة العيد بخروجه وتواجده وسط أبنائه وأحفاده .

السبت، 27 أغسطس 2011

اليوم 214

جاءتني ابنتي ليلة البارحة بعدد من النشرات التي كان يتم توزيعها في أحد المراكز التجارية . تلك النشرات تضمنت مجموعة من الفتاوى التي تناولت بعضا من الموضوعات التي يدور حولها كثير من الجدل ، بما في ذلك موضوع قيادة المرأة للسيارة ، وموضوع الاختلاط في أماكن العمل والتعليم . ملامح ابنتي علتها تعبيرات الصدمة من تلك اللغة التي تضمنتها تلك النشرات ، والتي سردت عددا مما سمته المفاسد التي يمكن أن تنشأ عن تلك القضايا ، والتي يمكن أن تشكل أساسا يبرر الفتوى بتحريمها استنادا إلى مبدأ درء المفاسد . قلت لابنتي أن كل ما جاء في تلك النشرات معلوم سابقا من مضمون الحوار والجدل الذي شهدته صفحات الجرائد بين الداعين والمعارضين لهذه القضايا . وموقف المعارضين معلوم تفصيلا ، ومبرراتهم معلومة حتى ولو لم يتفق معها الكثيرون ، فلماذا هذا الاستغراب . أجابتني أن صدمتها ليست من مضمون تلك النشرات ، وإنما من اللغة التي كتبت بها ، وما حملته من تجريم واتهام بالتغريب والتسفيه لكل من وقف موقفا معارضا منهم في هذه القضايا . لم أملك إلا أن أتفق معها فيما قالته ، والمشكلة أننا مجتمع يفتقر في الغالب إلى مباديء أدب الحوار وثقافة احترام الآخر ، وكثيرا ما نلجأ إلى اتهام الآخر وتخوينه في دينه ووطنيته وأخلاقه إن لم يتفق معنا فيما نقول . هذه الحالة لا يمكن أن تؤسس لمجتمع متكاتف يضع أفراده أيديهم سوية لبنائه والرقي به ، بل إنه سينتج بالضرورة مجتمعا مفككا تتنازعه الأهواء والرؤى والقناعات الدينية والوطنية والأخلاقية وغيرها الكثير . وفي النتيجة ، يصبح المجتمع على ما نراه في حال مجتمعنا ، يعيش أفراده متلبسين بأقنعة شتى ، حتى أنك ترى الفرد في مجلس يقول ويفعل ما لا يقول ولا يفعل في مجلس آخر . هذا النمط من النفاق الاجتماعي ماهو في نظري إلا وسيلة من وسائل الدفاع عن الذات من تلك الهجمات التخوينية والعدائية التي يمكن أن يبادرك بها الطرف الآخر إن لم يتفق معك في الرأي . ووسط هذه المعمعة تصبح محاولة تنشئة جيل جديد من الأبناء بعيدا عن هذا المفهوم أمرا عسيرا ، خاصة وأن مثل تلك النشرات تطالهم قسرا حتى وإن كانو بعيدين عن خضم النقاش في تلك القضايا . وتأتي مثل تلك النشرات لا فقط لتخلق حالة من البلبة الفكرية في عقول هذا الجيل ، بل لتزيد من عمق المشكلة عبر تخريب وتشويه وسائل الحوار البناء الذي أسعى لتربيتهم عليه .

الجمعة، 26 أغسطس 2011

اليوم 213

غريب حال الناس في هذا الشهر الكريم ، فعندما أرى ازدحام الناس في المراكز التجارية وهم يدفعون أمامهم عربات محملة بأصناف الطعام والشراب أجزم أن لا أحد منهم يخرج من بيته وقت الإفطار ، وعندما أرى ازدحامهم في المطاعم أجزم أن لا أحد يفطر في بيته . وحال المطاعم في رمضان يخلق كثيرا من الاستغراب ، ففي الوقت الذي يشتكي فيه الناس من ضيق ذات اليد وتأثيرات الأزمات المالية والتضخم ، أجد المطاعم وقد امتلأت بمرتاديها فيما أسعار وجبات الإفطار فيها تزداد غلاء عاما بعد عام . لا أتصور عائلة بحجمها التقليدي تنفق على وجبة إفطار رمضاني مبلغا يزيد على 2000 ريال في الوقت الذي يمثل هذا الرقم مجمل الدخل الشهري لعائلة أخرى في ذات المدينة . صحيح أن قدرات الناس تتفاوت تبعا لمداخيلها ، وصحيح أن الله تعالى قال في كتابه العزيز " وأما بنعمة ربك فحدث " ، ولكن هذا التفاوت الكبير والإسراف المخل أمر يثير الاستغراب والامتعاض . والغريب أن هناك أسرا ترتاد مثل هذه المطاعم مرات عديدة في الأسبوع ، فيما هم تركو الأطعمة التي اشتروها في بداية الشهر لتتعفن في مخازن وثلاجات منازلهم . عندما أنظر إلى السمات التي أصبح يحملها هذا الشهر أجدها اختصرت في أنماط اجتماعية دخيلة ما أنزل الله بها من سلطان . وأنا أتذكر تلك الأوقات الجميلة التي كنا نقضيها أيام الطفولة ، وحتى زمن قريب ، عندما كانت أسرتنا تجتمع حول مائدة الإفطار ، في مظهر اجتماعي جميل ، تتأصل فيه مشاهد صلة الرحم ، وتتوطد فيه الصلات الاجتماعية بين الأسر بأجيالها المختلفة . المشهد الذي نراه الآن في المطاعم هو أحد ضرائب المدنية الحديثة التي طغت مظاهرها على حياة الناس ، فأصبحو يعيشون حياة مليئة بالاتكالية والكسل والإنفاق المبتذل ، حتى ولو كان هذا الإنفاق سببا في تضخيم ما يشتكون منه من ضغوط مالية . زوجتي العزيزة سألتني اليوم عن أفضل استثمار يمكن أن نؤسسه كوسيلة لتحسين أحوالنا المالية فأجبتها دون تردد بأن أي نشاط في مجال الأغذية والمطاعم والمقاهي يعد استثمارا ناجحا في مثل هذا المجتمع الاتكالي المتكاسل . وربما نبدأ بداية جادة في دراسة هذه الفكرة في قابل الأيام ، إلا أن يبلغ سوء الحظ مبلغه لتتغير أهواء الناس ويعدلون عن ارتياد المطاعم .

الخميس، 25 أغسطس 2011

اليوم 212

هل يصدق أحد أن تتدخل الشرطة لإخلاء فرع بنك من أناس كل ما كانو يطالبون به هو صرف رواتبهم قبل إجازة عيد الفطر المبارك ؟ . هذا ما حصل اليوم في فروع أحد البنوك العاملة يوم الخميس بعد أن بدأت البنوك إجازتها باكرا قبل أن يتمكن الناس من ترتيب أمورهم وصرف ما يحتاجون إليه من أموال أو تحويلها إلى أسرهم قبل العيد . وبعد أن يإسنا يوم أمس من حل مشكلة صرف رواتب موظفي المكتب أبلغنا أحد موظفي الفرع بأن أحد الفروع سيعمل يوم الخميس ، فما كان منا إلا أن انتظمنا في طابور الانتظار أمام هذا الفرع في صباح هذا اليوم الرمضاني الحار . فتح الفرع أبوابه فتقاطر الناس أمام نوافذ الخدمة ، فأعلن مدير الفرع أن الفرع لن يتمكن من صرف كل المبالغ المطلوبة . استغرب الجميع نقص السيولة في هذا الفرع ، مع علم مسئوليه المسبق بحاجة الناس إلى الأموال قبل العيد . ومع أذان الظهر أغلق الفرع أبوابه ، في الوقت الذي كان مزيد من الناس يتجمعون أمامه في انتظار فتح أبوابه بعد الصلاة . المفاجأة كانت أن الفرع لم يفتح أبوابه بعد الصلاة ، وتعالت الأصوات مطالبة بتمكينهم من الدخول ، وموظف الأمن يبلغهم بأن دوام الفرع قد انتهى . ماذا كانت ستفعل تلك الساعتان أمام تلك الحشود من العملاء ، حتى ولو يتمكنو من صرف كل الأموال التي يريدونها مع نقص السيولة في الفرع . بعد قليل وصلت الشرطة ، ويبدو أن مدير الفرع هو من قام باستدعائهم . بدأ تفريق الحشود من أمام الفرع ، بل إن أفراد الشرطة دخلو إلى الفرع وبدأو بإخراج الناس منه حتى قبل أن يحصلو على الخدمة التي انتظروها منذ الصباح . ذهبنا عندها إلى فرع آخر لبنك آخر فوجدناه مفتوحا فدخلنا إليه لنجد حشودا أخرى من الناس أمام موظف واحد فقط كل ما كان يفعله هو إبلاغ الناس أنه لا يستطيع خدمتهم لأن النظام معطل . سبحان الله ، فرع يفتح أبوابه يوم الخميس وموظف وحيد يأتي ليبلغ الناس بتعطل النظام . كان الأجدى توفير مصروف خارج الدوام لهذا الموظف وتكلفة تشغيل وحدات التكييف بدل هذا الإحباط الذي أصابو به الناس . الأسوأ في كل هذا هو ذلك الأسلوب الفج الذي كان يتعامل به موظفو البنكين مع الناس ، وكأن هؤاء الناس كانو يطلبون إحسانا منهم وليس حقا مشروعا تزيده شرعية طبيعة الظرف الذي يعيشونه في هذا التوقيت . تراودني نفسي بأن أتناول هذا الواقع المرير بالحديث في مقالي الأسبوعي بجريدة الاقتصادية ، ولكني أشك أن يجد طريقه للنشر ، خاصة في ظل تلك السطوة التي تملكها البنوك على أجهزة الإعلام والصحافة .